الرئيسية / محلي / القصة الكاملة لأسباب ارتفاع الفروج والبيض في سورية

القصة الكاملة لأسباب ارتفاع الفروج والبيض في سورية

هدأ جنون أسعار الغذائيات في شهر تموز بالمقارنة مع حزيران، فبعد أن ارتفعت أسعار الغذائيات بنسبة وسطية قاربت 45% خلال شهر 6، فإنها انخفضت نسبياً في شهر 7 بنسبة لم تتعدَ 3% ولكن بالمقابل استمرت أسعار بعض المواد الغذائية بالارتفاع، لتعكس مرحلة أسوأ من أزمة الغذاء، وتدل على تدهور في البنية الإنتاجية الغذائية! والفروج والبيض المثال الأبرز…

تشير التقديرات إلى تراجع إنتاج الدواجن بنسبة 60% للبيض و72% للفروج، في السوق السورية، وذلك خلال موجة ارتفاع سعر صرف الدولار السابقة، التي شهدتها البلاد منذ مطلع العام، وهو رقم تقديري يأتي من تصريحات لمدير المؤسسة العامة للدواجن منذ شهر شباط، والنسبة قد ازدادت فعلياً إلى حد بعيد مع موجة الارتفاع الجنوني في الأسعار.

إذ يظهر التراجع الكبير في إنتاج قطاع الدواجن من الارتفاع الاستثنائي في أسعار الفروج والبيض، التي ارتفعت بمعدل أعلى من ارتفاع أسعار الدولار، وبما يدل على وجود نقص في العرض والإنتاج المحلي.

لماذا تراجع الإنتاج؟!

إنّ ارتفاع سعر الدولار خلال الفترة بين شهر آذار 2020 وصولاً إلى شهر حزيران أدى إلى توقّف واسع في عملية الإنتاج ضمن المداجن.

يدخل الدولار في تكاليف تربية الدواجن بنسبة تقارب 80% من سعر الكغ، عبر العلف المستورد. بلغت أسعار أعلاف الدواجن محلياً في آذار 500 ألف ليرة للطن، وبدأت ترتفع منذ شهر نيسان لتصل إلى 1,2 مليون ليرة بارتفاع بنسبة 140% خلال أقل من خمسة أشهر… وهذا الارتفاع المرتبط بالدولار، كان كفيلاً بإخراج العدد الأكبر من المنتجين مع عدم القدرة على تحمّل تكاليف بهذا الحجم، وتحديداً أنه لا يوجد أي عامل دعم آخر للمنتجين، حيث توقفت القروض بكافة أشكالها في الفترة السابقة.

والأهم، أن الظرف العام يؤدي إلى خسارات حادة وكبيرة في هذا القطاع مع عدم استقرار التكاليف والأسعار، وتتالي الخسارات (مع ارتفاع التكاليف عن مستوى الإيرادات) يؤدي إلى عدم استمرار الاستثمار الصغير في المداجن.

بنية الإنتاج في هذا القطاع هشّة للغاية، وتشهد تقلبات سريعة، حيث يتم إنتاج الفروج والبيض عبر عدد كبير من المداجن الصغيرة المتوزعة في الريف السوري، والتي تعمل برأس مال منخفض، وبدورة إنتاجية قصيرة 40 يوماً، وتُنتج مادة غذائية تتلف ضمن آجال قصيرة ويصعب تخزينها، أي: إنه يتعرض لخسارات كبيرة وسريعة في حال ارتفاع الأسعار وتراجع الطلب، ويصبح من الصعب أن يقوم صاحب المدجنة بإعادة إنتاج الكميات نفسها في الدورة اللاحقة.

ارتفاع الدولار ثم ارتفاع الفروج

إن ارتفاع أسعار الدولار بنسبة 90% تقريباً خلال الفترة بين آذار ومطلع حزيران، لم تترافق مع ارتفاع مماثل في أسعار الفروج، حيث كان المنتجون لا يزالون يعملون بمعدل أوسع، ولكنهم كانوا يخسرون لدورات متتالية مع ارتفاع سعر الدولار والعلف في كل موسم تربية جديدة. وتصبح إيراداتهم غير قادرة على تغطية تكاليف إعادة الإنتاج.

ومع توقف العديد من المداجن، ظهر التراجع خلال شهري حزيران وتموز عندما استمر ارتفاع الدولار بنسبة 21% ولكن بالمقابل، ارتفعت أسعار الفروج بنسبة 148%، بسبب نقص العرض. وانتقل سعر الفروج من 1450 ليرة تقريباً للكغ، وصولاً إلى 3600 ليرة في نهاية شهر تموز، بينما ارتفعت أسعار البيض بنسبة 68% من سعر 2200 لصحن البيض، وصولاً إلى 3700 ليرة.


الأعلاف حلقات تضاعف التكلفة

إنّ جذر المشكلة والحل، هو احتكار استيراد الأعلاف، وارتفاع سعرها مع تقلبات الدولار والأرباح الاحتكارية.

علف الدواجن المكوّن من الذرة الصفراء وكسبة الصويا، وكلتاهما مادتان يتم استيرادهما في حلقة تجارية ضيقة، تقول الحكومة: إنها تموّل مستورداتها بالدولار، أي، يفترض أن تسعّر على الدولار الرسمي، ولكن هذا لا يتم.

يتم خلط هذه المكوّنات وتغليفها محلياً في معامل علف الدواجن المكونة من خلطة تشكل الذرة نسبة 60% منها، والصويا 35% والباقي معادن ومغذيات. وبين هاتين الحلقتين يدفع مربو الدواجن سعراً للعلف يعادل 2,8 ضعف السعر المبني على تكلفة المواد واصلة إلى المرافئ.

في تصريحات عن الأعلاف: فإنه في شهر نيسان كان سعر الجمارك لكل طن مستورد من كسبة الصويا هو 375 دولاراً و125 دولاراً لطن الذرة واصلاً أرض المرفأ… ووفق هذا السعر فإن التكاليف الأساسية لطن العلف المركّب تقارب: 210 دولاراً للطن، بينما سعر مبيعه النهائي في السوق السورية كان 850 ألف ليرة، ما يعادل بسعر السوق في نيسان 600 دولار للطن تقريباً! والفارق بين السعرين البالغ 390 دولاراً تقريباً، يتوزع بين المستوردين بالدرجة الأولى، وأصحاب معامل الخلط والحلقات الأخرى العديدة التي ترمي ثقل أرباحها على استهلاك الدواجن، التي تراجعت إلى حدود استثنائية.

إن المستوردين هم الحلقة الأكثر ربحاً، لأن عددهم قليل جداً، ولأنه من المفترض أن يحصل المتنفذون منهم على تمويل للمستوردات من المصرف المركزي ليحققوا أرباحاً مضاعفة، بينما يسعّرون بسعر السوق.

وهم حتى في حال عدم تمويل مستورداتهم، يحصلون على معدل ربح وسطي في خلطة العلف 66%. والهامش الذي تضيفه المعامل مرتفع أيضاً، ولا يمكن تقديره بدقة لأن تكاليفها لا تقتصر على الذرة والصويا، ولكنها تشكل النسبة العظمى من هذه التكاليف، بينما يزداد السعر في السوق المحلية عن تكلفة الاستيراد بنسبة 70% ومعدل ربحها أقل من المستوردين بالتأكيد.

من استيراد العلف لاستيراد الفروج!

صدرت تصريحات لرئيس غرف الزراعة تتحدث عن احتمالات استيراد الفروج المبرّد عوضاً عن إنتاج الدواجن المتراجع، وهو اتجاه كما يقول رئيس الغرفة: قد يدفع إلى تحويل الاستيراد مسألة مطلوبة ومقبولة، وهو ما يجب تجنبه.

إن إنتاج الدواجن مرهون للدولار بنسبة 80% من تكاليفه، وفي حلقة شديدة الأهمية هي غذاء الطيور، وفي الظروف السورية تتحول هذه المسألة إلى خطر غذائي يهدد إنتاج وغذاء الملايين، فالفروج هو المكوّن البروتيني الحيواني الأخير الذي كان حتى مطلع العام ضمن قدرات المستهلكين السوريين.

إن منظومة السياسات الغذائية السورية التي رهنت غذاء الطيور للاستيراد، وسمحت بمعدلات ربح احتكارية استثنائية، بينما من الممكن تخفيف التكلفة بمقدار النصف على الأقل… هي ذاتها المنظومة التي قد تدفع إلى إنهاء تربية الدواجن، والاعتماد على استيراد الفروج مبرداً بالكامل، بينما كانت حلقات تهريب محلية تسعى جاهدة إلى منافسة سوق الإنتاج المحلية بتهريب الفروج المجمّد من تركيا.

والمشكلة في استيراد الفروج المبرّد ليست في نوع هذا الفروج، وكونه مبرداً، ومستوى نوعية الغذاء المقدم… بل في تلاشي سوق فاقت قيمتها الوسطية في 2018: 150 مليار ليرة، ما يعادل في حينها: 300 مليون دولار. وعندما تكون هذه المبالغ موزعة على حلقات واسعة من المنتجين والشغيلة في القطاع ومراكز البيع ومعامل العلف، فإن هذه القيم تصبح موزعة الدخل على حلقات واسعة. وما ينبغي تصحيحه هو إعادة توزيع هذا الدخل ليُسحب من المستوردين وحلقات الاحتكار الكبرى، ويحافظ على دخل المربين وقدرة المستهلكين على الاستهلاك.

بينما الانتقال إلى استيراد الفروج المبرّد سيجمع دخلاً احتكارياً عالياً لدى حلقة ضيقة جداً من مستوردي هذه المادة! وهو جريمة تؤدي إلى دخول مئات آلاف الأسر في الهاوية.

هذه الهاوية تقودنا إليها السياسات التي غيبت الدولة نهائياً، وحولت هذا الجهاز إلى إدارة أعمال المتنفذين، فيغير القوانين وفقاً لمصالحهم وهؤلاء يرون اليوم، أنه يمكن الانتقال من ربح سوق العلف المحتكر، إلى الربح من سوق الفروج المستورد المحتكر! ليبتلع حوت ما حوتاً آخر، ونرتهن للدولار بمعدلات أعلى.

المصدر: صحيفة قاسيون المحلية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *