الرئيسية / محلي / تجارة “الهواء” تنتعش… والسوريون يضمون الأوكسجين إلى قائمة “المونة”

تجارة “الهواء” تنتعش… والسوريون يضمون الأوكسجين إلى قائمة “المونة”

لم يكن ينقص السوريين سوى جائحة كورونا لتكتمل خارطة آلامهم المعيشية المعززة بحصار غربي خانق، ونهب منظم لثرواتهم الوطنية على أيدي الجيش الأمريكي وحلفاء محليين له.

 

خلال الأيام الأخيرة، تحول تحزين “أسطوانات الأوكسجين” إلى ما يشبه حمى اجتماعية أصابت السوريين، مدفوعين بممارسات احتكارية أوغلت تجار أسطواناته بارتكابها.

 

 

 

يقطع فادي حارات دمشق القديمة نحو منزله محتضنا بحنية أسطوانات الأوكسجين التي ابتاعها من أحد التجار، وفي الأمر ما يدعو إليه، نظرا لتزايد حاجة الكثير من المصابين إلى مساعدات تنفسية ملحة، ما عزز الطلب على هذه السلعة بشكل استثنائي.

 

في هذه الأيام العصيبة، أصبح الأوكسجين الطبي، كعشرات الأشياء التي لم يكن ليخطر على بال السوريين البحث عنها باهتمام تبعا لوفرتها مجانا، أصبح سلعة تخضع للعرض والطلب وللاحتكار الذي يديره “تجار الحرب”، كما يفضلون تسميتهم.

 

لا يساور فادي أدنى شك بأنه سيحتاج، أو لربما مقربيه، إلى أسطوانة أوكسجين مع التزايد الأسّي في أعداد إصابات كورونا محليا، وهو لهذا قرر اتخاذ إجراءاته الاحتياطية بالحصول مبكرا عليها، تحسبا لارتفاع سعرها الذي اتخذ مؤخرا متوالية تصاعدية ومنحى انفجاري قاده تجارها بعدما رفعوا سعر العبوة الفارغة نحو 10 أضعاف.

 

ليس التجار وحدهم من افتعلوا أزمة “الأوكسجين” السورية، ولا حتى غياب السلطات التموينية المولجة ضبط الاحتكار وفلتان الأسعار، فللمستهلكين حصتهم من المسؤولية، ذلك أن التحوط المبرر الذي دفع فادي لاقتناء الأسطوانات، يعد جزءا من مشكلة يواجهها آخرون ممن يحتاجون هذه السلعة بشكل ملح وداهم، وقد يكلفهم انعدام قدرتهم في الحصول عليها، الكثير.

 

وفي تصريح مقتضب لـ “سبوتنيك” أكد فادي بأنه “على استعداد تام للتبرع بالإسطوانات لأي محتاج، وأن اقتنائه لها على سبيل التحوط، انعكس عن الإقبال على شرائها وتخزينها من قبل معظم السوريين”.

 

في الواقع، لكلام فادي جذور تراثية، إذ لطالما اعتنق السوريين تقليد صارم في بناء منازلهم منذ مئات السنين، حيث يتم إلحاق صالة خاصة عادة ما تكون في قبو المنزل، تسمى “بيت المونة”، وتكون مخصصة لتخزين (مونة الطعام) خوفا من أيام الجوائح والحروب.. وها هو الأوكسجين ينضم إلى قائمة محتوياتها.

 

هذا الواقع السقيم، دفع المبادرات الإنسانية في البلاد لإدخال خدمة أسطوانات الأوكسجين إلى لوائح نشاطها.

 

الدكتور قاسم عواد مدير فريق “عقمها” الإنساني، أكد لـ”سبوتنيك” أن “أسطوانات الغاز التي تم البدء بتوزيعها على المحتاجين، تذهب إلى مستحقيها من المرضى حصرا”.

 

وكشف الدكتور عواد أن “مبادرة عقمها لوحدها، قدمت خدمات أسطوانات الإوكسجين لنحو 1000 مريض حتى الآن، مشيرا إلى أن الجمعية تعمل حاليا على توفير خدمات صحية واسعة للسوريين بما يقلص الضغط عن المشافي الحكومية التي تشهد تعاني بناها التحتية بشكل كبير في الوقت الراهن”.

 

السيدة نادية صفرا، حصلت على أسطوانة من “عقمها” بعدما باءت محاولاتها لشرائها من السوق بالفشل، وفق ما أكدت لـ “سبوتنيك”، مشيرة إلى أن زوجها مصاب كورونا، وهو بأمس الحاجة إلى أوكسجين داعم لتجاوز المرحلة الأخطر من الإصابة، مثنية على التعاون الكبير لنشطاء “عقمها”.

 

سيدة أخرى، تدعى أمل طاغلي، انضمت إلى فريق نشطاء “عقمها” بعدما أصيبت عائلتها بفيروس كورونا مؤخرا، تبرعت بسلة من الأدوية التي كانت تستخدمها إحدى صديقاتها التي وافتها المنية.

 

ترى طاغلي بأن الظروف الاستثنائية التي فرضها الحصار والحرب على سوريا، تتطلب تضافر الجهود مهما كانت صغيرة.

 

للتجار نظرتهم

 

أحد تجار دمشق، أبدى ندمه الشديد على استعجاله ببيع أسطوانة أوكسجين لمريض بـ 250 ألف ليرة، متوقعا أن يصل سعرها إلى 700 ألف ليرة أو حتى مليون ليرة، وفق ما نقلت عنه أحد الصحف المحلية.

 

عامل في مركز خاص ببيع وتعبئة أسطوانات الأوكسجين بدمشق، أكد أن “سعر الأسطوانة قفز خلال الأيام الأربعة لعيد الأضحى فقط، من 200 ألف إلى 250 ألف ليرة بعد أن استنفدت أغلب المراكز والمستودعات مخازينها من المادة”.

 

ولزيادة حدة المفارقة، فقد انضمت ورشات (لحام المعادن) التي يدخل الأوكسجين كمادة أولية في عملها، تحولت إلى متاجر مزدهرة لبيع أسطوانات الأوكسجين، بعدما أصبح بيعها في السوق السوداء أكثر ربحا بأضعاف مما لو تم استخدامها في الورش.

 

بعض الأوساط التجارية حاولت تبرير ارتفاع أسعار الأوكسجين على خلفية تفجير ميناء بيروت اللبناني، وتأثيره على تأخر وصول شحنة اسطوانات مستوردة من الصين، إلا أن شيئا من ذلك لم يتسنى تأكيده من مصادر رسمية.

 

الدكتور محمد المحاميد من طواقم مشفى الأسد الجامعي، يؤكد أن “هذا الكلام فارغ، مشيرا إلى الفساد والاستغلال الذي يمارسه التجار منذ بداية كورونا على مستوى الكمامات”.

 

وأمس الخميس، أعلنت السلطات الصحية السورية عن 105 إصابات جديدة بفيروس كورونا لترتفع الإصابات المؤكدة المسجلة في عموم البلاد إلى 1432 حالة.

 

وفي هذا الخضم السقيم جراء تضاعف أعداد الإصابات بفيروس كورونا، تحاول بعض الشركات الحكومية السورية التدخل في سوق “أسطوانات الأوكسجين” لتقليص الهوة بين العرض والطلب.

 

الندرة، ليست سمة “الأوكسجين” فقط في الأسواق السورية، فالسلطات الرقابية على الأسواق هي الأخرى نادرة الوجود تماما، هذا الأمر يتيح للمتاجرين بـ (الهواء) فسحة رحبة من الاحتكار واستغلال الجائحة.

 

تدخل حكومي

 

وسط الطلب المتزايد بحدة على “الأوكسجين”، أعلن المهندس عبد الناصر مشعان المدير العام للشركة العامة للمنتجات الحديدية والفولاذية بحماة، استعداد شركته التام وعلى مدار الأربع والعشرين ساعة لتزويد المواطنين والمشافي بغاز الأوكسجين النقي وفق تسعيرة وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك.

 

وأوضح مشعان في تصريح صحفي أنه “تم تطوير معمل الأوكسجين إلى خطي إنتاج بطاقة بلغت نحو 2500 متر مكعب في الساعة من الأوكسجين السائل والغاز ما يسهم في تأمين متطلبات العملية الإنتاجية للشركة عبر رفد معمل الصهر بمادة الأوكسجين الأساسية في عملية الصهر، والفائض من الأوكسجين النقي يتم بيعه في السوق المحلية وخاصة للمشافي العامة والخاصة لاستخدامه في الأغراض الصناعية والطبية”.

 

سبوتنيك

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *